تأبينية فقيد الجزائر
العلامة الدكتور محمد صالح ناصر
ما كتب عنه
أ.د مصطفى باجو
8/26/2025


بسم الله الرحمن الرحيم
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ 2010.
سبحانه هو الواحد الحي القيوم، كتب لنفسه البقاء، وعلى غيره الموت والفناء. وجعل الدنيا دار عبور وابتلاء، والآخرة دار مقام وجزاء.
ونصلي ونسلم على سيد الصابرين وإمام الشاكرين نبينا ورسولنا المصطفى الحبيب الأواب، وعلى آله الطاهرين الصفوة من الأصحاب.
المشايخ الفضلاء أعضاء حلقات العزاء، والعلماء الأجلاء، والوافدين من كل موقع للعزاء، نعزيكم ومعذرة عن تجاوز ذكر المقامات والمناصب، فإنما جلال الموقف تفعال العبارات والمناقب.
أيها الجمع الغافر بقلوب خاشعة ووجوه دامعة، في هذه الساعة المباركة من مساء الجمعة، سلام الله عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته، سلام يجعل مع الصبر على أهاب الجبال، موردا للأجر من الله عز وجل.
محفل مهيب وموقف رهيب نقف الآن لوداع علم من أعلام أمتنا الأبرار، وشيخ من شيوخها الأطهار، وركن من أركان أساتذتنا الكبار، علا مرتنا وأوقدنا الدكتور محمد بن صالح ناصر، نودعه إلى دار البقاء بعد عمر مسنون زاك الثمرات، وجهاد موفور البركات، في سبيل العلم ونشر النور على مختلف الفئات والطبقات.
أجل، إننا نودع اليوم رجلا لا كالرجل، رجلا وقف حياته لخدمة دينه وأمته ووطنه، عاش مربيا وبانيا للأجيال، ومجاهدا في أشرس ميدان، بالفكر والقلم واللسان، فلم في جف منه المداد، ولم يكب به الجواد، بل آخر رمق في هذا الجهاد.
نودع اليوم شيخنا محمد ناصر، والدموع عامر المآجر، ونسدل الستار على كفاح طوال من الكفاح، قضيتها قضيتا معلما ومرشدا، وهاديا وناصحا.
لقد هالهم اليوم وقع الفاجعة حين بلغهم نبأ رحيل الدليل الحادي، وأفول شمس طالما أشرقت على كل ربع ووادي، فما كان لهم من عزاء غير حسن ظنهم بالله الكريم أن يبوئكم منازل الصفوة من عباده المكرمين، فما حرمكم عطاء وأسبغتم من جميل، على امتداد عمر مبارك لم يقض بالسنين، بل بآثاره وسعة فضله في العالمين.
إنك كنت فقيدا إلى آخر رمق من حياتك، ع م ل م بارزا بلا ادعاء ولا تفاخر، تجليت فيه هذه المبآت:
في التمسك بالدين والأصالة جبل شامخ إلى الجوزاء.
وفي الوطنية والاعتزاز بالهوية نخلة ضاربة الجذور سامقة إلى السماء.
وفي الجد والنظام مضاء وخط مستقيم بلا انقطاع ولا انحناء.
وفي البحث وصراحة المنهج آية لا يجاريها إلا أذنين صبو.
وفي التربية مدرسة قائمة بالفكر والنظر، وقدوة عملية عز لها نظير.
وفي التواضع والبساطة سهل مريع وروض نضير.
وفي التضحية والإخلاص وخدمة الصالح العام نبع ماء زلال.
وفي الفن واللحن، والشعر والأدب بلبل غر يد صادق المشاعر، ليس له في البلابيل مثال.
فمهنيئا لك ما قدمت لدينك وأمتك ووطنك، إذ كنت مثالا للمسلم الواعي بدينه ورجاله، والوطن الغيور بشعاره وأفعاله، وصورة للجزائري الأصيل في إبائه وجميل خصاله. سيرة ستظل نبعا في مد الأجيال، ومنارة تهدي السائرين إلى مدارج الكمال.
فرحمك الله شيخنا المجاهد الصابر في سبيل رضوان مولا، رغم العوائق والمحن والأشواك، وأعزانا في رحيلك أنك تركت ذرية من أبناء التفسير، ونتاج من الأبناء الروحيين، وقية ببلادك، سائرة لاقتفاء آثار الدين فخورة بالجزائر بين الأمم.
تعازينا لأهله جميعا وكنا أهله وذويه، بل غيا أصالة عن نفسي ولسان مجلس عمي سعيد الموفق وحلقات العزاء في مزاب وورجلان.
ومحاميا عن حرمات الأمة بأمضى سلاح، سلاح العلم والكلمة الصادقة،
في مدارج الجامعات وفي المجامع والمؤتمرات، ومن منابر المساجد، وفصول المعاهد، وفي قنوات الإعلام وأعمدة الجرائد، وما صدرت يمينك وسال به إبداعك من النهر العزيز من البحوث والدراسات، وما أغنيت به أجيالنا من عشرات المؤلفات، وكلها شواهد لآثار لن تمحوها الأيام.
أجل ثمانون عاما قضيتها مبينا ومدافعا ومناضلا ومقارعا، لا تشغلك يوميات الحياة العاجلة والوادي الأجرد، عن آفاق الأمة الإسلامية وهمومها الكبرى، ومآسيها وعذاباتها، وعن حاضر الأمة المتعثر من مؤامرات الغرب البغيض وعدوان الصهيونية على عزة الأمة، ومقدسات الأمة ولا عن بلاءات الحضارة الغربية على القيم الإنسانية. تدفقت في كل ذلك غيرة على حرمات الله، ووفاء لدين الله، لا تخاف في الله لومة لائم، رغم التحديات والتهديدات والمغارم.
عرفتك مدارج الجامعات حاميا لمعالم الجزائر وإعلامها، ومحاميا عن هويتها ورسالتها، فصوتك كان مدويا حين طغت موجات التغريب والألوان الماكيافيلية المزيفة، عرفتك معاهد العلم في العاصمة وهران وعنان المهني.
بعثت أعلامها طواهم النسيان، وطرزهم الجحود والنكران، ونشرت أمجادا عفى عليها الزمان، وكنت لتراتنا كما كان عيسى عليه السلام، حياة وعافية وشفاء، ووقيت شبابنا فرفعت لهم ذكرا وخلفت مأثرا برًا بهم ووفاء.
وهل نعي حين لحظات الوداع ما غرست في رياض الأمة من نخل، وسقيت من روح أصيل وطلبت النماء على امتداد الغبراء، من ربوع الجزائر إلى آفاق العالم، وهل تسع صوتك أصالح نداء مدرسة الجامعات ونصح معاهد معهد الحياة، واستقبال الشباب في مدارج جامعات الوطن، واختطاط طريق المستقبل للأجيال؟
إنها الأمة ستظل تذكر الدكتور محمد ناصر فضل التوجيه والإرشاد، وتلهج بالدعاء لمن أخذ بأيدي الطامحين إلى نهج السداد، وفتح عيونهم على مناهج البحث ومنابع العلم فكانوا فيه الرواد.
