صديقي العزيز محمد بن عدون، أو محمد سعيد شريفي
كنت تلميذا بقسم المصلى، وكنا مُطالَبِين بالحضور بعد العشاء إلى دار ملحقة بالمدرسة تدعى (تَنَاجَّارْتْ) أي دار النّجارة، وهي دار مجاورة لسكن الشيخ عدون، فكنت أراه ونحن نحفظ حصصنا القرآنية بتلك الدار يخرج كل ليلة إلى المعهد حيث يلتقي بزملائه للمطالعة، فكنت في نفسي أتمنى أن أصبح ذات يوم مثل محمد بن عدون طالبا بمعهد الحياة أَلْبَس (اللَّحْفَايَة) والقندورة البيضاء وأحمل محفظة.
مقتبسات
كتاب: ذكرياتي ومذكراتي
12/11/20251 min read


كنت تلميذا بقسم المصلى، وكنا مُطالَبِين بالحضور بعد العشاء إلى دار ملحقة بالمدرسة تدعى (تَنَاجَّارْتْ) أي دار النّجارة، وهي دار مجاورة لسكن الشيخ عدون، فكنت أراه ونحن نحفظ حصصنا القرآنية بتلك الدار يخرج كل ليلة إلى المعهد حيث يلتقي بزملائه للمطالعة، فكنت في نفسي أتمنى أن أصبح ذات يوم مثل محمد بن عدون طالبا بمعهد الحياة أَلْبَس (اللَّحْفَايَة) والقندورة البيضاء وأحمل محفظة.
ولم أكد أعرف عنه شيئا سوى الإعجاب ببراعته في لعب كرة القدم، فقد كان لاعبا قديرا متميزا بلعبه برجله اليسرى، يسجل الأهداف بها، ويمتاز بسرعته وخفته وضرباته القوية.
وعندما التحقتُ بالمعهد كنا نلتقي في جمعية مرآة الأسبوع الثقافية الخاصة بالقراريين، وكان عند دخولي إلى المعهد بالسنة الثالثة -أي كان الفارق بيننا ثلاث سنوات-، ورغم ذلك الفارق فإن صداقتنا بدأت من خلال لقاءاتنا في جمعية مرآة الأسبوع الخاصة بالقراريين، وكانت له ميول واضحة وأسلوب كتابي متميز.
وأحسب أن الذي جعلني أتعرف عليه أكثر عندما أصبحت كشافيا في إطار كشافة الحياة، وكنت عضوا في طليعة "الأسد" التي يرأسها، وفي مخيماتها ورحلاتها إذ ازددتُ قربا منه ومعاشرة.
وقد قامت الكشافة برحلة إلى قرى وادي ميزاب سنة 1954 وكان محمد بن عدّون قد ألّف بهذه المناسبة نشيدا جميلا جدا، وهو نشيد "بساط الريح" الذي وضع كلماته لوصف محاسن قرى وادي ميزاب متَّبِعا فيه اللحن الذي يؤدي به فريد الأطرش هذا النشيد وإن اختلفت كلماته، فإن نشيد فريد الأطرش تغنّى بمحاسن الأقطار العربية كما هو معروف، وأما محمد بن عدون فإن نشيده يتغنى بمحاسن بعض قرى وادي ميزاب، ويُشيد بالحركة الإصلاحية تحت زعامة الشيخ بيوض.
وكنت أؤدي مقاطعه مع الأخ مغازي عطيه، وقد لقي النشيد نجاحا كبيرا فكان الجمهور يطلب سماعه مرات ومرات كلما حَلَلْنا بإحدى القرى لأنه يذكر محاسن كل قرية من قرى الوادي، بدءًا بالعطفاء، فبونورة، وبني يزقن، وغرداية، ومليكة، ثم بريان والقرارة، ومطلع النشيد يقول:
بساط الريح- عليك أسيح – بالفتيان – نحو البلدان.
وكنا في هذه المرحلة من معهد الحياة كثيرا ما نتبادل المجلات المصرية، والكتب الأدبية، وكنا نلتقي في إطار الجمعيات الأدبية لمعهد الحياة ومرآة الأسبوع القرارية كما أسْلَفت، وانقضت سنوات معهد الحياة، فسافر محمد بن عدون إلى القاهرة عبر تونس ليكمل دراسته في فن الخط والفنون الجميلة.
بعد سفر صديقي محمد شريفي إلى القاهرة سنة 1958 ازددتُ اتّصالا به، وتعرُّفا عليه من خلال الرسائل الطويلة التي كنا نتبادلها طوال مدة ما بين (1958-1962) أي إلى حين التحاقي بالقاهرة في ماي من سنة 1962.
والحقّ أني أعتبر تلك المراسلات مدرسة أدبية عملية ساعدتني كثيرا على تحسين أسلوبي في الكتابة، إذ كنت أحتفل بتلك الرسائل احتفالا كبيرا، وأُولي لها عناية مهمة لأنها كانت مُتَنَفَّسي أثناء حصار سنوات الثورة التحريرية إلى جانب مطالعتي بطبيعة الحال.
وكنت أفرح بتلك الرسائل التي يرسلها إليّ صديقي من القاهرة بمعدّل رسالة كل شهر تقريبا يُطْلِعُني فيها على أخباره الدراسية، وأخبار رفاقه في السكن والغربة، الشاعر صالح خرفي، ومحمد صالح ألجون، وفخار إبراهيم، ويُفصّل لي في تلك الرسائل الحديث عن حياة القاهرة الصاخبة، وأجواء الدراسة الجامعية، وكانت تلك الرسائل -والحق أقول- مما زادني رغبة وإلحاحا في التخطيط للالتحاق بجامعة القاهرة للدراسة بها، رغم العراقيل المعروفة آنئذ، ورغم السيّاج المضروب حول السفر إلى البلاد العربية، ولاسيما إذا كان الغرض للدراسة، ثم لأن تجربة انقطاع الطلاب السابقين عن أهليهم بتونس والمشرق، جعلت الآباء لا يفكّرون أبدا في السماح لأبنائهم بهذه المغامرة، ولاسيما أن وسائل الاتصال كانت منقطعة إلا عن طريق الرسائل وهي خاضعة أبدا لرقابة السلطات الفرنسية، وظلّت تجربة البعثة الميزابية إلى تونس تجربة لم يهضمها كثير من الناس لانقطاع أولئك الأبناء عن أهليهم وذويهم طوال هذه السنوات، وأتذكّر أن رسائل صديقي محمد شريفي كانت تخضع كلها للمراقبة، ورسائلي إليه كانت كذلك مما دفعنا إلى تعلم استخدام أسلوب الرمز والرمزية في الأمور المتعلقة بالسياسة وذكر الشخصيات والأحداث الواقعة بالجزائر بعامة والقرارة بخاصة.
وكان صديقي محمد يشجّعني في رسائله تلك على الالتحاق به ويطمئنني بالسكنى معه في سكنه بشارع الدري، ويفتح لي أبواب الأمل عريضة أمامي على الرغم من أن شهادة المعهد التي أحملها غير معترف بها في الجامعات المصرية بل الجامعات المشرقية، ولكني كنت داخل نفسي مصرًّا على قبول المغامرة، والاستعداد لها نفسيا لتجاوزها مهما كانت العراقيل المادية والمعنوية، وبعد التحاقي بالقاهرة سنة 1962 كان صديقي محمد من أول المستقبلين لي في مطار القاهرة أنا ورفيقي الخياط أحمد وبوحجام عيسى على النحو الذي ذكرتُه في هذه المذكرات.
وعلى الرغم من أن صديقي محمد شريفي غادر القاهرة عائدا إلى الجزائر في صيف سنة 1963 بعد تخرّجه، أي لم يكتب لنا اللقاء في أجواء القاهرة إلا سنة واحدة، فإن تلك السنة التي قضيناها في سكن واحد مع زميلنا وصديقنا مردوخ إبراهيم زادتنا ارتباطا، وألفة، ومحبة، وقد تبيّن لي أن المعاشرة في ديار الغربة هي المحكّ الأصيل الذي به نعرف ونتعرف على الأصدقاء الأوفياء ونَبْلُوَ صدقهم وحسن معاشرتهم ونبْل أخلاقهم.
ولابد لي أن أشهد هنا بأن الذي كان يعجبني في شخصية صديقي محمد هو هذا الثبات على القيم الإسلامية الأصيلة التي شرب ماءها حتى الارتواء في أحضان تربية والده الشيخ عدون، وبيئة معهد الحياة، والقرارة، فكنت كثيرا ما أجادله في بعض القضايا المتعلقة بالطهارة التي أراه فيها مُوَسْوِسًا أحيانا، وأشهد أنه كان في مواقفه الفكرية مؤمنا صادقا تقيا إلى حد الورع، أما في إطار عمله خطاطا فقد كان متفانيا مخلصا صبورا أعطى حياته كلها بثوانيها ودقائقها للخط العربي الجميل والفن الإسلامي الأصيل، فأبدع فيه أيّما إبداع حتى نال تلك المنزلة العظيمة التي بَوَّأَتْه مقام التكريم على المستوى المحلي والوطني وعلى المستوى العالمي الإسلامي قاطبة.
وبهذا شرَّف قومه، ووطنه، ومِلَّته ونال التكريم المستحق هو وزميله محمد اسكندر من اتحاد الكتاب الجزائريين، كما نال الجوائز التقديرية من شتى المؤسسات العربية والإسلامية داخل الجزائر وخارجها، وصار أستاذا قديرا يستشار في المعارض (الإسلامية) والامتحانات والمسابقات التي تجريها بعض المؤسسات الإسلامية والعربية هنا وهناك مثل بلدان المغرب العربي والخليج العربي، وتركيا، وكان فيها محطّ الإعجاب والتنويه لبراعته في فنّه.
وقد كان وجود صديقيَّ محمد، وإبراهيم في تلك الفترة مما خفّف عني وقع أيام انتظار الاعتراف بالشهادة واستقراري في الدراسة بالجامعة على النحو الذي فصّلتُ فيه الكلام في هذه المذكرات.
وعلى الرغم من قصر تلك المدة فإن ذكرياتها ظلّت تجمعنا، وتربط أواصر الصداقة وتزيدها تمتينا بيننا كلما التقينا إلى يوم الناس هذا.ولله الحمد والمنّة.
وأتذكّر أني شاركتُ بقصيدة في عرسه الذي أقيم له بمدرسة الحياة بالقرارة بعد غياب عن الأهل دام ست سنوات كاملة وكنتُ حينها غائبا بالقاهرة يقول مطلعها:
ليتـني كنت في اللقـاء السعيـد فـأحيِّيـك بَاسِمـا بالنشيـد
عُـدْتَ كالنّور في الصبّاح الجديد يَبْعثُ البشر، بالرضى والسعود
عـدْتَ كالمجـد رافع الرأس صند يدا، وكالنصر في جبين الجنود
عـدْتَ للأمّ طاهـر الذيل عفـّا كـابتسام الحيَـا بورد الخدُود
ونسيتَ الأسى بأحـضان أخـ ت، وصديق، ووالد، ووليـد([1])
ولم تَنْقَطع ولم تَفْتُر تلك الصداقة أيام زمالتنا في محيط الجزائر العاصمة حيث كنت مدرسا بالجامعة المركزية وكان هو أستاذا للخط بمدرسة الفنون الجميلة، وكنا نلتقي من حين إلى آخر في جو عائلي حميم مع أبنائنا وعائلاتنا في رحلات العطلة الأسبوعية بسياراتنا إلى ضواحي العاصمة الجميلة.
كما كنا نلتقي من حين إلى آخر في جلسات أخوية في إطار جمعية القدماء في الجزائر وفي القرارة.
وكانت مناسبات الفرح والتّرح تجمع بيننا وتزيدنا صداقة وألفة، وأتذكّر من تلك المناسبات رحلتنا إلى سلطنة عمان مع ثلة من الأصدقاء في فبراير من سنة 1988 حيث قضينا خمسة عشر يوما جنبا إلى جنب كانت سانحة لتذكّر أيام القاهرة، غير أن الذي كان يشدني إلى صديقي محمد تتّبعي لإنجازاته الخطية على مستوى العالم الإسلامي قاطبة، ولاسيما مشروعه العظيم لكتابة المصحف الكريم خمس مرات وكان يُهْديني من حين إلى آخر لوحاته الخطية الجميلة التي أعتزّ بها في مكتبتي كأحسن الذكرى لصداقتنا، كما كنت لا أغفل عن اطلاعه على مشاريعي الأدبية وإهدائه مؤلفاتي من حين إلى آخر.
وأحسب أن جوّ العاصمة الصاخب وتعقّد الحياة فيها لم يكن يسمح لنا باللقاءات المستمرّة المتواصلة، ولكن جو القرارة الصحراوي الدافئ بأصدقائنا وإخواننا الخُلَّص هو الذي كان يجمع بيننا في لقاءات إخوانية حميمية أو سهرات أدبية ممتعة طريفة وظريفة.
ولعل أجمل ما في هذه الصداقة أن تنداح دوائرها المتآلفة إلى أفراد عائلتينا فتصبح علاقة ودية دائمة بين أفراد عائلة آل بربوشة وآل الشيخ عدون شريفي رحمه الله.
فهل سيحافظ أبناؤنا على هذه الروابط الأخوية الإسلامية؟
[1]- الأعمال الشعرية، ص، 52.
* الصورة: فوق برج القاهرة في صيف 1962، بعد وصوله إلى القاهرة لأول مرة. ويرى في الخلف السيد خياط الحاج أحمد رفيقه في الرحلة إلى مصر.
