الحلقات الأسرية
كنت حريصا منذ عودتي من عمان واستقراري بالجزائر أن أخصّص جزءا من وقتي للمّ شمل عائلتي بالجلوس إليهم ومعهم لتتبّع أخبارهم وسيرتهم في الحياة التي أصبحت شائكة صعبة بطغيان المادة عليها، فوفّقني الله إلى أن أخصّص عشيّة يوم الجمعة من كل أسبوع في جلسة أسرية خاصّة يحضُرها كل أبنائي وأحفادي ذكورا وإناثا صغارا وكبارا، وكنت شديد الحرص على احترام هذا الموعد
مقتبساتمقالات
2/12/20261 min read


كنت حريصا منذ عودتي من عمان واستقراري بالجزائر أن أخصّص جزءا من وقتي للمّ شمل عائلتي بالجلوس إليهم ومعهم لتتبّع أخبارهم وسيرتهم في الحياة التي أصبحت شائكة صعبة بطغيان المادة عليها، فوفّقني الله إلى أن أخصّص عشيّة يوم الجمعة من كل أسبوع في جلسة أسرية خاصّة يحضُرها كل أبنائي وأحفادي ذكورا وإناثا صغارا وكبارا، وكنت شديد الحرص على احترام هذا الموعد، فكنتُ أرفضُ ما يعتَريه من مواعيد أخرى، كما كنت أوصي أبنائي باحترام هذا الموعد وإرجاء كل سفر أو تغيُّب إن أمكن، فكان هذا الاجتماع الأسبوعي الذي اخترنا له من الأسماء "مجلس بابا صالح" جد العائلة ربطا للأواصر بين الأحفاد والأجداد، وتذكيرا لهم بسيرة الأسلاف الصالحين، لينهَجوا نهجهم ويقتدوا بأعرافهم.
والواقع أنّ الذي دفعني إلى هذا الحرص على متابعة هذا النظام العائلي ما رأيته من انفكاك الروابط الأسرية، وانحلال القيم الروحية الإسلامية من مجتمعنا الإسلامي بعامة ومن مجتمعنا الميزابي بخاصة، فلم نعدْ نولي أهمية لصلة الأرحام والتكافل الاجتماعي بين أفراد الأسرة الواحدة، فطغى الانسياق الأعرق وراء المصالح المادية، والسّعي اللاهث وراء الدرهم والدينار، وهو أمر يؤسَف له حقا إذ يُنْذِرُ بفقدان أهم ميزة في مجتمعنا وهو التكافل الاجتماعي الذي طالما ميَّز حياتنا في وادي ميزاب وحفظ لنا منظومتنا الاجتماعية في مواجهة التخريب الساعي إلى الخراب، والذي زاد الطين بلّة هو آفة العصر هذه الهواتف المحمولة التي لم تعد تستعمل في نواحيها الإيجابية وهي كثيرة، فاستخدمها الشباب بصفة خاصة للاتصالات المشبوهة أو الألعاب المسلية أو حتى متابعة فينشر على شبكة الاتصالات الاجتماعية، حتى باتت من الأسباب المباشرة للانفصام الاجتماعي الأسري والعائلي.
فأصبحت جلساتُنا خرساء بكماء لا يستفيد فيها الصغير من الكبير ، أو الابن من أبيه أو أمه، أو الأخ من أخيه، وأصبح كل فرد في هذه الجلسات حاضرا غائبا لأن قلبه ونظره وأذنه وهواه متعلّق أبدا بما يقرأه أو يتابعه في هذه الآلات بمختلف أنواعها وأحجامها، فيحضر هذه الجلسات وهو غائب عنها في أحسن حالاته، أو يقاطعها وينصرف عنها في أسوء حالاته، فكان لابد من إيجاد البديل المفيد ولو لثلاث ساعات أسبوعيا، فإن في هذه اللقاءات- على ما أحسب- الخير الكثير والأجر الكبير.
ولكي نستفيد من هذه التجربة المتواضعة جميعا، أعرض هذا النموذج ممّا نستغل به تلك الجلسات تعميما للفائدة، وإثراء للتجارب، وتبادلا للخبرات التربوية.
~ أوّلاً:
قراءة سور من القرآن قراءة جماعية يحضرُها الكبير والصغير.
~ ثانيًا:
تناول بعض الآيات بالتفسير والشرح، ولاسيما القصار المفضّل من القرآن الكريم.
~ ثالثًا:
اختيار محور تربوي أخلاقي للحوار والمناقشة وتبادل الآراء ليشترك الجميع في الجلسة، ولاسيما قصص الأنبياء وسيرة الرسول الكريم وصحابته الأطهار.
~ رابعًا:
تكليف الصغار كل مرة بعمل ما يشاركون به، بما يليق مستواهم الفكري والدراسي، كأن يقرؤوا بعضًا من محفوظاتهم المدرسية، ونساعدهم على شرح معانيها إن أمكن، وإعطائهم الفرصة للبروز وإظهار ما لديهم من مواهب.
~ خامسًا:
الاهتمام الجماعي بنجاحات أفراد الأسرة صغارا كانوا أم كبارا، تنويهًا وتشجيعًا وتقديرًا، فإنّ هذا ممّا يحفّز الصّغار على تقليد الكبار والسير في طريقهم، والاستفادة من تجاربهم، وتحريضهم في الآن نفسه على الإبداع، والإتيان بالجديد المفيد.
~ سادسًا:
الصلاة إن حضرت جماعة بتقديم أحد الحاضرين للإمامة، وفوائد هذه لا تحصى ولاسيما إن كان منهم موهوبون بالحفظ، والصوت الجميل والاداء الصحيح.
~ سابعًا:
العَشاء يكون جماعيا، وقد يشارك في مصاريفه الجميع تعويدا على الكَرَم والإيثار وحب الخير، ونشر ثقافة الصدقة والإحسان.
~ ثامنًا:
إقامة بعض الحفلات الصغيرة في هذه الدائرة في مناسبات الأعياد الخاصة والعامة، وإقامة ذكريات للأجداد والآباء، بتناول مآثرهم وسيرهم، وتذكيرهم بسير أهل القدوة من الأنبياء والصالحين والعلماء.
~ تاسعًا:
أن تُطبع الجلسات بطابع البساطة والفكاهة، والمرح والمداعبة، حتى لا يشعر الصغار فيها بضيق فيكرهون حضورها أو النفور منها.
~ عاشرًا:
هذه مجرد اقتراحات، ولكل ولي أو مسؤول عائلة أو أسرة أن يجتهد في إدخال الجديد إليها وإضافة أو تعديل ما يراه مناسبا لها، حسب امكاناته وقدراته.
وبالله التوفيق
