تأبينية د محمد ناصر في جمعية الجاحظية.. توثيق رحلة خلود

نظمت جمعية الجاحظية تأبينية لفقيد الأدب الجزائري الدكتور محمد صالح ناصر رحمه الله، حيث حضر اللقاء عدة شخصيات ثقافية جزائرية منهم طلبته وأهله وبعض أحبابه والمهتمين بفكره، ونذكر من طلبته د. محمد الشريف مريبعي رئيس المجمع الجزائري للغة العربية، د. محمد ساسي، د. عمار بن زايد، كما حضر د. صالح بلعيد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية والذي يعتبر نفسه تلميذا له ولو بصفة غير مباشرة من خلال حضوره بعض محاضراته وأمسياته الشعرية.

جابر بن محمد ناصر بوحجام

9/16/20251 min read

الدكتور محمد صالح ناصر رحلة رجل عظيم جعل رضا الله غايته، صبر وصابر فكانت النتيجة أن احتفى به العلماء أنفسهم، ولا يعرف قدر الرجال إلا الرجال، فأن تسمع كلمات تأبين صادقة من عالم فيلسوف في قامة الدكتور عبد الرزاق قسوم فاعلم أن المؤَبَّن إنما هو من مصاف الكبار الذين لا ينكر فضلهم إلا جاحد، والدكتور ناصر قد قالها في حياته "ليس الشأن في كثرة العلم، وإنما الشأن في التوفيق الذي يصحب ذلك العلم"، وها قد تحققت فيه كلماته، ولا نزكي على الله أحدا.

وفي هذا الشأن نظمت جمعية الجاحظية تأبينية لفقيد الأدب الجزائري الدكتور محمد صالح ناصر رحمه الله، حيث حضر اللقاء عدة شخصيات ثقافية جزائرية منهم طلبته وأهله وبعض أحبابه والمهتمين بفكره، ونذكر من طلبته د. محمد الشريف مريبعي رئيس المجمع الجزائري للغة العربية، د. محمد ساسي، د. عمار بن زايد، كما حضر د. صالح بلعيد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية والذي يعتبر نفسه تلميذا له ولو بصفة غير مباشرة من خلال حضوره بعض محاضراته وأمسياته الشعرية.

ومما أجمع عليه الحضور أن الدكتور محمد صالح ناصر من كبار علماء الجزائر وممن أسسوا لتاريخ الأدب الجزائري الحديث، أخلص لعمله فكانت النتيجة أن خلد التاريخ اسمه رحمه الله، ونجد بالمقابل أن التزاور بين العلماء والنخبة قد ندر في زماننا فكيف لا يعرف باحث متخصص أن الدكتور ناصر لم يغيّر مقر إقامته، أو لا يعرف أنه قد ألف في مجال الطفل، أو أن كتبه متوفرة في بلده، وهذه تستدعي وقفة في مجال "ما حول المعرفة"، في علاقة العالم بأخيه، وعلاقة الوفاء من التلميذ لمعلمه، على أننا لا نستثني المبادرات التي يقوم بها بعض الشعراء والأدباء وغيرهم حين يجمعهم المقهى أو صالون أحدهم للتداول والإثراء، وهنا نتساءل ألا يمكن إعادة أمثال صالون العقاد، ونقاشات بيت الحكمة وغيرها؟

وقد أدار الندوة التأبينية أ.د احسن تليلاني، بمشاركة أ.د محمد ناصر بوحجام، أ.د عبد الرزاق قسوم، أ.د مولود عويمر، فابتدأ أ.د محمد ناصر بوحجام مداخلته أنه استحضر مجموعة من النصوص تمثل 4 دوائر: دائرة الأسرة، دائرة الأمة الإسلامية دائرة الوطن، القضية الفلسطينية، لكنه لم يلقها لقصر الوقت، فتحدث بدلا من ذلك عن بعض ما ميز الدكتور محمد صالح ناصر.

برز الدكتور ناصر في تنشيطه المجال الأكاديمي في الأدب الجزائري بداية من كتابه المقالة الصحفية نشأتها وتطورها والتي بذل فيها جزء كبيرا أرهقته إرهاقا كبيرا في سبيل جمع المادة العلمية، من خلال تنقلاته المستمرة في مختلف الحواضر والمدن داخل الوطن وخارجه، وكانت النتيجة أنه فتح آفاقا واسعة لمن أتى بعده، وفتحت له مجالا لإنتاج كتب أخرى منها رمضان حمود الشاعر الثائر وهو أول كتاب طبع له عام 1970، ثم مفدي زكرياء، والشيخ أبو اليقظان، ابن باديس والإبراهيمي، عمر راسم. ويكفيه فخرا أنه من خلال هذا البحث زود المكتبة الوطنية بما لم يكن عندها، حيث أهدى لها كل جرائد الشيخ أبي اليقظان.

مؤلفه الثاني حول الشعر الجزائري الحديث اتجاهاته وخصائصه الفنية، هو ركيزة أخرى، وهو أول دراسة متخصصة على الاطلاق، فقد أنجزها عن الشعر الجزائري فنيا وليس موضوعيا، وأيضا تعب كثيرا من أجل إنجاز هذه الأطروحة، فحتى أنه تقلب من أجل تسجيلها أكاديميا بين المغرب والقاهرة والجزائر وقد استغرق في سبيلها 11 سنة.

ومن إسهاماته أيضا رسالة الأدب الإسلامي فله عدة كتب ألفها في هذا المجال، حيث نظر فيها للأدب الإسلامي وطبق ما توصل إليه في كتابه "أبو مسلم الرواحي" حسان عمان.

والمداخلة الثانية كانت من نصيب أ.د عبد الرزاق قسوم، الذي عبر عن صعوبة الحديث عن الأشخاص من زاويتين: إما أن الشخصية جدبة لا تجد ما تتحدث عنها وإما غنية زاخرة فيصعب أن تلملم الأفكار وتحصر الكلمات، والدكتور ناصر من الزاوية الثانية؛ فهو جبل علمي لا يمكن الإلمام بجوانب النبوغ في شخصيته.

يتسم بالمنهجية الموسوعية العلمية من الناحية الثقافية، فهو الحافظ لكتاب الله وهو الفقيه المتخصص في فقه الفقه، وهو أديب متخصص في الكلمة الموزونة، وهو إن صح القول فيلسوف الكلمة وهو الداعية إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فهو المصلح باللسان المحيي للأوطان العامل لبناء الإنسان والمحبب لكل الخلان.

تميزت حياته بالتجربة الإقليمية (تنشئته) وبالمعاناة الذاتية (مع مرض القصور الكلوي) والبعد الإسلامي في تكوينه. خاصيته الأساسية هي الوفاء: لعائلته، وثقافته، ولوطنه ولأمته، وهذه الخصائص التي تجعل المثقف ملتزما بقضايا الإنسان وقضايا الوطن وقضايا الأمة وما إلى ذلك.

ومن خلال مذكراته تصاحبه في الحقب الزمنية المتعددة التي عاشها، فهو الجامع بين الأصالة والحداثة وهذا الأمر ليس متاحا لأي شخص، فمن مقومات شخصيته: أنه إباضي دون تعصب، وطني دون إقصاء، إسلامي دون تشدد، ويتميز بالنفسية العاطفية الجياشة التي عرف بها، وقد كانت لحظة الفتنة التي عاشها مسقط رأسه من أقسى اللحظات التي مرت عليه في حياته.

وتميز الدكتور ناصر أنه اعطى لكل فئة ما تستحقه من أدب، وهذه الموسوعية التي تميز بها فقيدنا الدكتور محمد صالح ناصر.

المداخلة الثالثة من أ.د مولود عويمر:

الذي يرى أن الدكتور محمد ناصر لخص حياته بنفسه، من خلال مذكراته، فكتبها مرتين أولا عندما تحدث عن مشايخه وثانيا مذكراته في ثلاث مجلدات، وقد قدم الدكتور ناصر خدمات جليلة للأدب الجزائري بل لتاريخ الأدب الجزائري، ومن المجالات التي أبدع فيها الدكتور محمد صالح أعلام الإصلاح في وادي مزاب.

واعتبر أ.د احسن تنيلاني أن الدكتور ناصر من المؤسسين الكبار للأدب الجزائري الحديث وهو في مصاف عبد الله ركيبي وعبد المالك مرتاض وصالح خرفي وغيرهم.

ثم فتح المجال للمداخلات فكانت البداية مع: د. محمد الشريف مريبعي رئيس المجمع الجزائري للغة العربية تلميذ الدكتور في الجامعة الجزائرية، الذي اعتبره شخصية متعددة الجوانب والاهتمامات فهو الشاعر والكاتب للقصة والباحث، وما عرف عنه أكثر أنه دارس ومتخصص في الأدب الجزائري، فقد انقطع لدراسة الشعر الجزائري والمقالة الصحفية الجزائرية والتراث الأدبي الذي تركته الحركة الإصلاحية ووثق كل أدبيات الحركة الإصلاحية منذ الثلاثينيات إلى 1975، ويرى أن كتابه "الشعر الجزائري الحديث: خصائصه واتجاهاته" فتح لهم الطريق وتجاوز به ما كتبه السابقون في هذا المجال ، وقد تميز عن الآخرين انه قام بعملية توثيق ميدانية وببحث ميداني.

عرف بدماثة أخلاقه، ويبدي الاهتمام بكل طالب جاد يتوسم فيه الرغبة والجدية فيجعله صديقا له ويساعده في مسيرته العلمية، وهو يشكل مدرسة في اهتمامه بالمغمورين وهو ما تعلمناه منه. وتميز بالانضباط في العمل فأعتبره قدوة لي.

وتأسف أنه غادر الجامعة الجزائرية في سنة 1991 غاضبا وهو ما حز في نفوس طلبته وانعزل في بيته بسببه المرض.

د. صالح بلعيد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية

درس عنه بطريقة غير مباشر إما من خلال الطلبة الذين درسهم أو من خلال حضور الأمسيات الشعرية والمحاضرات والندوات التي كان يشارك فيها.

عنون مداخلته بـ: "شهادة طالب في الأستاذ محمد ناصر" وقسمها إلى خمس: "ويرحل العلماء" فتحدث عن علماء رحلوا بصمت، وقد عرفه الدكتور بلعيد من خلال وجوده في كليته في الفترة ما بين 1983 و1993، وتحدث عن "محمد ناصر وصحبه" الذين كان يراهم معه منهم عمار بن زايد، أما الذي كان يلازمه ملازمة سيبويه للخليل بن أحمد هو مصطفى الغماري، ومن الأسماء ركيبي، مصايف، عمر بن قينة، سعد الزبيدي..

وبعض الطلبة مثل العربي دحو، محمد الصالح الجابري التونسي، محمد بن سمينة، ثم تحدث عن "محمد ناصر المتعدد المهام"، ثم "محمد ناصر المستشرف للغد" وهذا من خلال العودة إلى ما ألفه فوجد فيها بعض النظرات الاستباقية، وتوجهه للاستثمار في التربية والتعليم، وأيضا غرس الوعي قبل الوعظ فينصح بامتلاك القدوة ولكن بوصفة الأجداد.

وقد سنت اليونيسكو في السنة الماضية اليوم العالمي للعلم والعلماء والذي سيحتفل به العالم لأول مرة في هذه السنة وهو يتزامن مع شهر مولده وهو 10 من نوفمبر، وهو فرصة لأن يكون الدكتور محمد ناصر أول من يحتفى به في هذه المناسبة.

د. محمد سالي ممن درسه الدكتور ناصر في نهاية السبعينيات، وعرف عنه الانضباط في الوقت وهذا بشهادة أغلب الطلبة الذين درسوا عنده، وقد حدثت له حادثة معه، فقد الدكتور ناصر يخصص الساعة الأولى للشرح والثانية لإملاء الدرس، وكان أن غضب الطالب من هذه الطريقة، فشرح له وبين له السبب، وبعد الامتحان وفي انتظار النتائج خاف الطالب من أن الأستاذ قد يسيء له في النتائج بسبب تلك الحادثة، إلا أن الطالب حصل على أعلى علامة بسبب جديته ولم تؤثر تلك الحادثة في النتيجة، لأن الدكتور ناصر صاحب مبدأ وأمانة.

وقد تأسف أنه لا يعرف أنه لا يزال في العاصمة وهو الذي كان يعتقد أنه عاد إلى القرارة، فلو علم فلربما زاره ومجموعة من طلبته. واكتشف بعد وفاته أنه كتب أيضا قصصا للأطفال.

د. عمار بن زايد/ كان أستاذا وصديقا وزميلا بعد ذلك، كانت العلاقة معه جيدة في جو من التفاعل والانسجام والنقاش الهادئ .. وقد شارك معه في حصة لقاء مع أديب في القناة الأولى في حصتين. وقال أن قدم لنا أعلاما من المناطق الجزائرية أو ما يطلق عليه الآن مناطق الظل ولكنها في الحقيقة كانت مناطق إشعاع الأدب والثقافة والبطولة.

واختتم اللقاء بتكريم عائلة الدكتور محمد صالح ناصر والأساتذة المحاضرين