ملتقى الدّكتور محمد ناصر في جامعة باتنة...

أقام مخبر الموسوعة الجزائريّة الميسّرة التّابع لكليّة اللّغة والأدب العربي والفنون (جامعة باتنة) بالتّعاون مع جمعيّة التّراث (ولاية غرداية) الملتقى الوطني الموسوم: " محمد صالح ناصر أديبا وناقدا ومؤرّخا " في قاعة المحاضرات بالكليّة يومي الإثنين والثّلاثاء: 10 و 11 جمادى الثّانية 1447هـ/ 01 و02 ديسمبر 2025م.

مؤتمرات وندوات

أ.د. محمد بن قاسم ناصر بوحجام

12/8/20251 min read

بسم الله الرّحمن الرّحيم

قال الدّكتور محمد صالح ناصر – رحمه الله – عام 1985م محيّيا الأوراس الأشمّ وأهل باتنة بقصيدة عنوانها: " إلى بنت الأوراس"، منها هذه الأبيات:

حملتُ شَوْقيَ أَزْهَارًا مِنَ الكُتُبِ إلَيكِ يَــــا رَبَّةَ الإلْهَــــــامِ وَالأَدَبِ

وَدَلَّنِي المَجْدُ يُغْرِيني بِطَلعَتِهِ حثًّا إليكِ، فَمَا أَحجَمتُ في طَلبي

بهيَّةَ الحُسْنِ، َنادَانِي إليكِ هَوًى يُنَادِمُ القلبَ حُبُّ السّادَةِ النُّجُبِ

سُلالةُ الفَتْحِ أوراسٌ بِمَفرَقِهِم كمْ حَطَّ إِكْليلَهُ نَصرًا على النُّوَبِ

وَأَنتِ بَاتِنَتِي الإغراءُ مَا فَتِئَتْ عَينَا نُفَمبَرَ تُغْرِي فيكِ بالعَجَبِ

كَم حَطَّ في سَهلَكِ التّاريخُ مِن عِظَمٍ وَماجَ في دَرْبِكِ العَادُونَ مِنْ حِقَبِ

شَمختِ عِزًّا إِلَى العَلْياءِ رَافِعَةً رَأْسَ الجزائِرِ والإسْلامِ والعَرَبِ

أقام مخبر الموسوعة الجزائريّة الميسّرة التّابع لكليّة اللّغة والأدب العربي والفنون (جامعة باتنة) بالتّعاون مع جمعيّة التّراث (ولاية غرداية) الملتقى الوطني الموسوم: " محمد صالح ناصر أديبا وناقدا ومؤرّخا " في قاعة المحاضرات بالكليّة يومي الإثنين والثّلاثاء: 10 و 11 جمادى الثّانية 1447هـ/ 01 و02 ديسمبر 2025م.

ألقيت فيه أكثر من عشرين مشاركة، من الباحثين المنتمين إلى سبع جامعات: باتنة، بسكرة، سطيف، مسيلة، ميلة، غرداية، بومرداس.. وجمعيّة التّراث..

كانت بداية المشاركات المحاضرة الافتتاحيّة التي قدّمها الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام، عنوانها: " محمد صالح ناصر سيرة ومسيرة ".

كلمة الملتقى في الافتتاح والختام ألقتها الأستاذة الدّكتورة دليلة مكسح رئيسة اللّجنة العلمية.

أعلن عن افتتاح الملتقى الأستاذُ الدّكتور عبد المالك مغشيش نائب العميد المكلّف بالبيداغوجيا، نيابة عن عميد الكليّة الذي كان غائبا (في سفر).

تميّزت المشاركات - في معظمها – بالجدّية في العرض والتّحليل والكشف عن شخصيّة الدّكتور محمد ناصر في الحقول المعرفيّة التي برز فيها، والمجالات التي نشط فيها، وأجمعت أنّه كان متميّزا في التّعريف بالثّقافة الجزائريّة المتنوّعة، بل كان رائدا في إبراز شخصيّات كانت مغمورة، وكادت تطمس معالمها وآثارها..

كما أكّدت المشاركات أنّه كان موسوعي الثّقافة، أصيلًا في فكره، رساليًّا في كتاباته، متعدّدًا في نشاطه.. ممّا ركّز عليه الباحثون والمعقّبون إبراز جهوده الكبيرة في التّعريف بالأدب الجزائري.. واعتنائِه بأدب الطّفل الذي أصدر فيه خمس مجموعات، بلغت حوالي سبعين قصّة (70)، ثمّ تأصيله للأدب الإسلامي، والكتابة فيه؛ تنظيرا وتطبيقا وإبداعا.. وكذا عنايته بالتّراث: جمعا وتحقيقا ونشرا وتحليلا ونقدا..

مع كلّ ما قدّمه المشاركون وما بحثوا فيه، وما اجتهدوا في الحصول عليه من آثاره، وحاولوا استجلاءه والتّعمّق فيه.. اعترفوا أنّ الكثير من أعماله غير معروفة عند بعضهم، وبعضها ليست في المتناول، وأخرى لم تنشر.. مع العلم أنّ ما تركه من مؤلّفات مطبوعة تزيد عن مائة وخمسين (150) مؤلّفا.. يضاف إليها ما تركة مخطوطا، وما أشار إليه في مذكّراته أنّه لم يُتمَّ إعدادها بصفة نهائيّة... فيكون المجموع من آثاره يزيد عن العدد المذكور مطبوعا..منها سبعة دواوين شعريّة باللّغة العربيّة، وديوان مخطوط باللّغة المزابيّة. وعدد كبير من الأناشيد باللّغات الثّلاث: العربيّة الفصحى والعربيّة الدّارجة والمزابيّة..

هذه الأعمال الكبيرة الكثيرة دفعت بالحاضرين في الملتقى إلى مناشدة جمعيّة التّراث التّكفّل بطبع ما لم يطبع، وإعادة طبع ما نفذ في السّوق، ثمّ توفير أعمال د. محمد ناصر في مختلف المكتبات وفي موقعه الإلكتروني الذي أعلن عنه ابني جابر ناصر بوحجام في الملتقى؛ ليكون أحد المصادر في أعمال أستاذنا محمد ناصر.

كان التّجاوب مع ما قدّم في الملتقى من بحوث، وما عرض من أفكار وما تيسّر من انطباعات وشهادات عن شخصيّة محمد ناصر .. كان كبيرا ومهمّا ورائعا.. يظهر الإعجاب بشخصيّته والإكبار لجهوده، والوفاء به وبكلّ ما قام به من أجل خدمة الفكر الرّصين والثّقافة الأصيلة..يعكس كلَّ ذلك ما خرج بها المؤتمرون من التّوصيات الآتية:

  1. إعادة نشر مؤلفات الدّكتور محمد صالح ناصر-رحمه الله- وبخاصّة تلك التي نفدت من السّاحة الأدبيّة، وتوزيعها على المكتبات الجامعيّة ودور الثقافة.

  2. توفير التّراث المطبوع للمرحوم محمد صالح في الموقع الإلكتروني الخاص به ، وإتاحته للتّنزيل مجّانا.

  3. حثّ الطلبة في نادي الأوراس بقسم اللّغة والأدب العربي بجامعة باتنة على الانفتاح على الأعمال القصصيّة التي خلّفها الدّكتور محمد صالح -رحمه الله وتجسيدها حكواتيًّا؛ حتّى يتحقّق لها الانتشار بأساليب غير القراءة.

  4. تمكين الباحثين من المشاركة عن بعد، وبثّ الملتقيات مستقبلا عبر البثّ المباشر، وتسجيلها عبر صفحة مخبر الموسوعة الجزائريّة الميسّرة؛ حتّى يتسنّى للباحثين العودة إليها وقت الحاجة.

  5. دعوة الطّلبة في مختلف المستويات لتناول نتاج فكر الأديب محمد صالح-رحمه الله- في مذكّرات تخرّجهم ورسائلهم الجامعيّة.

  6. اقتراح أفكار وموضوعات جديدة لطبعات مقبلة بحول الله، منها:

    1. جهود الدّكتور محمد صالح-رحمه الله-في تأسيس الممارسة النّقديّة في الجامعة الجزائريّة، وبخاصّة المساهمة في التّنظير للأدب الإسلامي ونقده.

    2. مدارسة جهود الرّجل في إطار العلوم البينيّة؛ حتى يشعّ فعله الثّقافي والحضاري ضمن دائرة التّخصّصات الإنسانيّة بعامّة، وعلم الاجتماع بخاصّة.

  7. الدّعوة إلى ترجمة آثار الدكتور محمد صالح-رحمه الله- إلى لغات أخرى، وبخاصّة الإنجليزية.

  8. طبع أعمال هذا الملتقى، والعمل على تدويله في طبعات قادمة بحول الله.

ممّا أعلن عنه رئيس مخبر الموسوعة الجزائريّة الميسّرة الأستاذ الدّكتور محمد زرمان إقامة ملتقى خاصّ بأدب الطّفل عند محمد ناصر.

اختتم الملتقى بأبيات شعريّة رائعة من الدّكتور مصطفى بن صالح باجو، إذ قرأ قصيدتين، أولاهما للدّكتور محمد ناصر كان قد خصّه بها، ثمّ ردّ هو التّحيّة بقصيدة، من باب المطارحات الشّعريّة البديعة. ثمّ كلمة للدّكتور محمد ناصر بوحجام باسم جمعيّة التّراث، ثمّن فيها ما دار في الملتقى، وشكر المحاضرين والحاضرين وكلّ من أسهم في إقامة الملتقى، وخصّ بالذّكر مخبر الموسوعة الجزائريّة الميسّرة وجهوده في إنجاح الملتقى بالتّعاون مع جمعيّة التّراث، ونوّه بالشّراكة التي تربط المؤسّستين في إقامة أنشطة وأعمال علميّة..ثمّ جاء دور الأستاذة الدّكتورة ونّاس كرازي إحدى النّشيطات المتميّزات في مخبر الموسوعة الجزائريّة الميسّرة، فقدّمت كلمة ختاميّة نيابة عن رئيس المخبر. ممّا جاء فيها ما يأتي:

باسم مخبر الموسوعة الجزائريّة الميسّرة، نتقدّم بخالص الشّكر وعظيم التّقدير لكلّ من حضر وشارك ودعَم، وأسهم في إنجاح فعاليّات هذا الحدث العلمي المتميّز، الذي نرجو أن تكون ثماره دافعا لمزيد من العطاء والعمل، وأن تكون توصياته منطلقا لمبادرات علميّة جديدة تخدم العلم والمجتمع.

ونحن في رحاب هذا الجمع المبارك، لا يسعنا إلّا أن نجدّد الشّكر لأساتذتنا الأفاضل، وندعو لهم بالبركة في أعمارهم وأعمالهم وجهودهم، فاللّهمّ اجعل ما قدّموه ويقدّمونه في سبيل العلم والمعرفة نورا في حياتهم، ونورا بين أيديهم يوم يلقونك.

اللّهمّ ارحم من جمعنا في هذا اللّقاء: عبدك الصّالح محمد صالح، واجعل قبره روضة من رياض الجنّة، واجعل علمه صدقة جارية، واجعل آثاره الطّيبّة نورا يمتدّ بعد رحيله، وارفع درجته في عليّين مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أولئك رفيقا. بارك الله فيكم جميعا ، والسّلام عليكم ورحمة الله.

بالموازاة مع المحاضرات التي احتضنتها قاعة المدرّج، أقامت جمعيّة التّراث في الرّواق المجاور للقاعة معرضا اشتمل على وثائق وصور وشهادات عن حياة الدّكتور محمد صالح ناصر ومسيرته الحافلة بالأعمال الجليلة، ومعرضا لبعض مؤلّفاته وبعض إصدارات جمعيّة التّراث.. فقد كان الإقبال على هذا المعرض كبيرا اطّلاعا على محتوياته وشراء للكتب والحمد لله.

لا أنسى أن أقدّم تحيّة خالصة خاصّة لأخي وزميلي في قسم اللّغة العربيّة وآدابها بجامعة باتنة، الأستاذ الدّكتور ضيف عبد السّلام (مدير جامعة باتنة 1 حاليّا) لدوره الكبير في تشجيع الأنشطة الثّقافية في الجامعة، وتعاونه مع كلّ من يقدّم مشروعا ثقافيّا جادّا مفيدا.. في ملتقانا هذا كان عازما على حضوره؛ اعترافا بأستاذه الدّكتور محمد ناصر (المشرف على رسالته في الماجستير)، لكنّ ارتباطاته الإداريّة حرمته من ذلك، لكنّه كان معنا بروحه ومتابعته لأعمال الملتقى. جزاه الله كلّ خير ووفّقه في مَهمّاته.

قرأتُ على الحاضرين أبياتا من قصيدة كنت أرسلتها إلى أستاذي محمد ناصر، بعد أن غبت عن الملتقى الذي أقيم عنه في جامعة غرداية عام 2018م.. وكنت وقتها في سلطنة عمان: عنوانها: " عذرًا أستاذي.." منها هذه الأبيات:

عَنْ مُلْتَقَى الدّكتور كَان غِيابِي هَلْ يُشفعُ لي أمْ يَطولُ حِساِيِي

إِنْ جِئْتُ بِالعُذْرِ الصّريحِ، يَقينِي مِنْ جَـمْعِ أَهْلينَا شَديدَ عِتابِ

...مَا غابَ عنّي قدرُ أُسْتَاذي، فَلسْـ ـتُ أَنَا ضَنينًا أَنْ أَفِي بِنِصَابِي

رَدًّا لفَضْلٍ خَصَّني بهِ: قُدوَةً وَرِعايَــــــــــةً، وَدَمَــــــــــــــــاثَةَ آدابِ

فمـــحمَّدٌ نِبْرَاسُ دَرْبي في ميــــــــا دينِِ العُلُومِ وَفي ذُرَى الآدَابِ

هُوَ قُدْوَتِي وَمَنَارتي، مَنْ شَدَّ لِي أَزْرِي، بِفَتْحِ البَابِ دُونَ حِجاب

...لِــمآرِبِــــي وَمَطالــبيِ، فَعَــلَاقَـــتِي صافٍ مَدَاهَا، مِنْ نَــمِيرِ شَرابِ

في كُلِّ رُكْنٍ لَا يُغَـــــادرُ مُنتجًا هُوَ رَائـــدٌ، وَمُصَاحِبٌ لِسَحَابِ

أَنّى يَسيرُ، خَراجُه النّامي لَيَــــــأْ تِي مُثْقَلاً، يُغْرِي لِــــمَلءِ جِرَابِ

أَأَكُونُ مُـجْحِفَ فَضْل مَنْ أَسْدَى ليَ خَيْرًا كَثيرًا مِنْ نَفيسِ لُبَــــــابِ

هَلْ أُحْسَبُ الـــــجاحدَ إذِ كُنْــــ تُ الغَائِبَ الـــمَحْرُوم يَا أصْحابِي

أَنْتَ الرَّحِيمُ مُعَلّمِي، فَرَجَاؤُنَـــــا صَفْحًا، لَكُمْ وَعْدٌ بِـخَيْرِ ثَوابِ

أَعلَنَ عن اختتام الملتقى الأستاذُ الدّكتور عبد الحليم كبّوط رئيس قسم اللّغة والأدب العربي بكليّة اللّغة والأدب العربي والفنون. فالحمد لله حمدا كثيرا على نجاح الملتقى، نسأله المزيد من هذه الأنشطة الهادفة المهمّة، التي تحمل طابعا الوفاء للعاملين المخلصين، وسمة الرّسالة في توجيه الأجيال الصّاعدة الواعدة بإذن الله, الجزائر.