الجلسات الأدبية... لماذا غُيّبَت من حياتنا؟
سؤال كثيرًا ما طرحته على نفسي بين الحسرة والألم في صخب حياتنا اليومية وضجيجها، فأتحسّر حقا على تلك الأيام الرائعة الجميلة في رحاب معهد الحياة وجمعياته الأدبية المتنوعة، بعضها بين الطلبة أنفسهم وهي كثيرة، وبعضها يُشرف عليها بعض الأساتذة الأدباء الموهوبين المتمتّعين بالذائقة الأدبية، والحس الجمالي، والظرف الرائق الآسر.
مقالاتمقتبسات
2/10/2026


الجلسات الأدبية... لماذا غُيّبَت من حياتنا؟
سؤال كثيرًا ما طرحته على نفسي بين الحسرة والألم في صخب حياتنا اليومية وضجيجها، فأتحسّر حقا على تلك الأيام الرائعة الجميلة في رحاب معهد الحياة وجمعياته الأدبية المتنوعة، بعضها بين الطلبة أنفسهم وهي كثيرة، وبعضها يُشرف عليها بعض الأساتذة الأدباء الموهوبين المتمتّعين بالذائقة الأدبية، والحس الجمالي، والظرف الرائق الآسر. أتذكر منهم على سبيل المثال في هذه المرحلة شيخنا وأستاذنا المرحوم الناصر المرموري الذي قد يظنّ كثير من الناس أنه فقيه من الفقهاء وعالم من العلماء، وهم يجهلون شخصية الشيخ الناصر الأديب الأريب، الشاعر الحساس، فقد كوّن فينا بشخصيته تلك، الذائقة الجمالية من خلال دروسه الأدبية، وتوجيهاته النقدية، ومطارحاته الشعرية، ويبرز في ذاكرتي منها كل جلساته بعامة، ولاسيما إشرافه من حين إلى آخر على جمعيتنا الأدبية في إطار جمعيات معهد الحياة، أو في إطار جمعية ما يُعرف "بمرآة الأسبوع" التي ينشط فيها القراريون وحدهم، وكانت لعمري الميدان العملي لأقلامنا التي صُقلت في أحضانها لما كنا نكتبه من مقالات، وخطب، وشعر، ومسرح، وأناشيد فأين ذهب ذلك الزخم الأدبي الراقي؟ وكيف ذاب في خضم حياتنا المادية القاسية اليوم؟
وتعود بي الذكرى مقارنا بين حياتنا اليوم وحياة مشايخنا الذين نعرف فيهم هذا الميل الواضح في جلساتهم ولقاءاتهم وسهراتهم، وأتساءل أين ذهبت الجلسات التي كان يعقدها الشيوخ بيوض، وأبو اليقظان وعدون والبكري وتلامذتهم النجباء البارزون بفكرهم وأدبهم من أمثال الشيخ علي يحي معمر، ومحمد علي دبوز، وعيسى بوحجام، وحمو فخار، والحاج الناصر الكبير، وإبراهيم الحاج أيوب القرادي، ومرموري محمد بن إبراهيم، وغيرهم وغيرهم، ممن تحفظ "مجلة الشباب" إنتاجهم كأغلى ما يكون الإنتاج الأدبي الراقي، موضوعات، وأساليب، ومواقف.
وتعود بي الذكرى بين الحسرة والألم إلى ذكرياتي في رحاب معهد الحياة طالبًا ونائبا لرئيس إحدى تلك الجمعيات الأدبية تحت إشراف الأديب النجيب الشاعر الملهم أولاد بابهُون بكير ما بين سنتي (1954- 1958)، وكيف دفعت بي تلك الجلسات الأدبية لتمرين قلمي بما كنت ألّفته عن أصدقائي من رقيق الشعر، وبليغ النثر أكان ذلك من إنتاجي أو من مطالعاتي، وإني لأعتز بها جميعا أيّما اعتزاز.
وأتذكر بصفة خاصة، بين الحسرة والألم، جلساتي الأدبية مع أصدقائي الأعزاء رفاق الدرب والعمر، بكوش قاسم، ومردوخ إبراهيم، ومجاهد يوسف، وبابزيز إبراهيم، وتعموت إبراهيم، والحاج عاشور بكير، وأتذكر بصفة خاصة سهراتي الليلية، ومطالعاتي الأسبوعية مع صديقي العزيز بيوض حسن التي لم يشغلني عنها قط تدريسي بمدرسة الحياة ما بين (1959- 1962)، وكانت من أغزر أيام حياتي إنتاجا أدبيا بالقصائد والأناشيد، وقد جمعتها أخيرا في ديواني "وحي الضمير في واحة زقرير"، وقد عدّه بعض الأدباء وثيقة تاريخية هامة، وسجّلا حافلا بوقائع سنوات الجمر في الخمسينيات، وتخليد ما جرى فيها من مناسبات على الصعيد المحلي والوطني والإسلامي.
ولن أنسى بطبيعة الحال أدباء "الرابطة القلميّة" في هذه الفترة بالذات من أصدقائي الأعزاء: محمد بيوض، وأحمد أبي اليقظان، وحشحوش محمد بن عماره وأبو بكر بابه، وما يزال ذلك الكراس الذي كنَّا نسجّل فيه إنتاجنا الأدبي من أعلاقي الثمينة التي أحافظ عليها في أرشيفي حفظا حريزًا.
وتعود بي الذكرى إلى السبعينيات أيام تدريسي بجامعة الجزائر وجلساتي الأدبية في إطار ما كنّا نسميه "رابطة فرع قدماء التلاميذ" بالعاصمة، وكيف كانت عقدًا ذهبيًا يجمعنا لمتابعة أحداث ما يقع في القرارة من حوادث ذات طابع سياسي أو اجتماعي، وما كنا نلاقيه من شرذمة "قسمة" القرارة العنصرية التابعة للحزب العتيد، وإنّ هذه الأحداث رغم مرارتها ورغم ما كانت تأخذه منّا من جهد ووقت وأعمال روتينية ذات طابع سياسي. فإنها رغم ذلك لم تبعدنا قط عن الأدب والشعر والفكر وكانت حبات ذلك العقد يزينها أدباء موهوبون من أمثال أولاد بابهون بكير، ومحمد شريفي، وأحمد الوارث (زكري)، وخباشه صالح، ولعساكر محمد، ويحي أبو اليقظان، ومحمد لمسَن، وأحمد بيوض، وبكوش يحي، ومحمد الحاج الناصر الصغير وغيرهم، وقد تكون هذه الجلسات الأدبية الفكرية تحت إشراف شيخنا عبد الرحمن بن عمر البكري وهو الغني عن ذكر مواهبه العظيمة في هذا الإطار الأدبي الراقي وتواضعه الأخلاقي، وشعوره بالمسؤولية التربوية، وكان الشيخ لا يفرط في حضورها كلما حضر إلى الجزائر رغم مشاغله الاجتماعية الكثيرة، وقد جنينا والحق من وراء تلك الجلسات الخير الكثير، ولاسيما في ربط الصلات الحميمة بين جيل الشيوخ وجيل الشباب آنئذ.
وأتذكر بين الحسرة والألم جلساتي الأدبية الأسبوعية وأنا في سلطنة عمان مع طلابي الميزابيين الدارسين بمعهد القضاء الشرعي، التي كنا حريصين على عقدها كل مساء يوم أربعاء مواظبين عليها طيلة عشر سنوات، وقد سجل بعضها الأديب النشيط "عبود إسماعيل" بكاميراته، كما وصفت بعضها في قصيدة ذكرت منها كيف كانت تلك الجلسات الأدبية تنسينا همَّ الغربة والبعد عن الأهل والوطن والأحباب بين الفينة والأخرى، كما سجلت فيها خصائص كل من كان يحضرها بأسمائهم وطباعهم، وحبهم للأدب والفن، وصفاء أرواحهم واحدًا واحدًا (ينظر قصيدتي المطوّلة "جلسة أُنْسٍ بالجَصَّة"(1)- ديوان الأعمال الشعرية، ص 310). وشعورًا مني بالفوائد العظيمة المجتناة من أمثال هذه الجلسات، وما فيها من زادٍ فكري وإخواني قيّم، كنت حريصا على تذكير أبنائي الطلاب بهذه الصلات الروحية والروابط الثقافية بعد عودتي إلى الجزائر وتدريسي في كلية المنار بالحميز، إذ كنت حريصا على حضور جلسات نادي الطلاب لأُذكِّرهم من حين لآخر بإثراء جلساتهم بالإنتاج الأدبي شعرًا ونثرًا ضمن أعمالهم الأدبية تدريبا لأقلامهم، وكنت أقرأ عليهم من حين لآخر ما كنت أكتبه أو أقرأه من شعر، وقد اخترت من بعض هؤلاء الأصدقاء الطلاب مجلسا أدبيا نعقده من حين لآخر في مكتبتي بالأبيار، يحضره بعض الأدباء الموهوبين المبرزين بذائقتهم الأدبية وحبهم الشديد للأدب والشعر، ولكن هذه المجالس لم تستمر طويلاً ولم تكن منتظمة، وأحسب أن طغيان الجو المادي الذي تُعْرَفُ به العاصمة وما يطغى على أذواق شباب اليوم من نزوع إلى وسائل الاتصال الإلكترونية جنت كثيرًا عليهم فأفسدت أذواقهم وميولاتهم تلك للأسف الشديد، فلم يعد يهتم منهم بهذا الجانب الأدبي الراقي إلا فئة قليلة تعد على الأصابع. ولا أذكر هذا من قبيل المؤاخذة والانتقاد، بقدْر ما أذكره تعبيرًا عن مشاعر الحسرة والألم، بل من قبيل المواساة لما يعتريهم في حياتهم من ملاحقة هذه الوسائل الإلكترونية المفرّقة بين أفراد الأسرة الواحدة الساكنة تحت سقف واحد، المجتمعة أحيانا على طاولة أكل واحدة، أو حتى مشاهدة مباراة كرة قدم لهذا النادي أو ذاك.
ومن هنا كنت حريصًا على إطلاع القارئ الكريم في هذه المذكرات على بعض تلك الجلسات، واطّلاعه ليقارن بين عهود مضت، وعهود أتت، ليتبيَّن له بؤس حياتنا الأدبية اليوم وفقرها وقساوتها، وكيف فقدنا خيرًا كثيرًا، حين انسلخنا من أجمل ما كانت تتزيّن به حياتنا الفكرية والثقافية في تلك الجلسات، فلم يبق منها في حياتنا للأسف الشديد سوى ظلال باهتة، ولمحات عجفاء لا تزداد مع الأيام إلا قسوة وصلادة مما أثر على حياتنا النفسية والذهنية والاجتماعية، وأصبحنا ننظر إلى حياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية العامة والخاصة من خلال هذه الرؤى الغربية الغريبة عن ديننا وأخلاقنا، وقيمنا، وعاداتنا، بل ومحيطنا. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
