"الشيخ بيوض: مصلحا وزعيما" بقلم: محمد الهادي الحسني
لم يشأ الدكتور محمد ناصر أن يجادل بنفسه عن وطنية الإمام بيوض وجهاده حتى لا يتهم بالعاطفة والتحيز، ولكنه أورد شهادات لا تدحض، ووثائق لا ترد، فيزداد الذين آمنوا إيمانا ويغص بها الذين يظلمون الناس عدوا بغير علم، ويأكلون لحومهم أحياء وأمواتا، ويحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
مقتبساتمقالات
2/7/20261 min read


بعض الكتب تكون موضوعاتها هامة، لكن كُتّابها يعجزون عن إيفائها حقها من الدراسة والتحاليل وحسن العرض، وبعض الكُتّاب مشهود لهم بالمقدرة والكفاءة ولكنهم يتناولون -لسبب أو لآخر- موضوعات ليس لها أهمية، فلا يأتون لا بجديد ولا مفيد. وأحيانا يجتمع الحسنيان في كتاب، فيكون الموضوع هاما، حقيقا بالدراسة، جديرا بالبحث، و يكون الكاتب محيطا بالموضوع، عارفا بأبعاده قديرا على تجليته بارعا في تناوله و عرضه وقد اجتمع هذا كله في كتاب الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض: زعيما ومصلحا فالكاتب هو الأستاذ الدكتور محمد صالح الناصر، وهو أستاذ جامعي، متمكن من أداوت البحث العلمي، خبير بمنهاجه يشهد له بذلك الطلبة الذين تلقوا عنه العلم داخل الجزائر وخارجها، ويشهد له عشرات الباحثين الذي أشرف على رسائلهم الجامعية أو شارك في مناقشتها، وله عشرات الكتب التي ألّفها، فحظيت باهتمام العلماء والأدباء و النقاد، والقراء بقبول حسن.
و الدكتور محمد ناصر شاعر، و لكنه سَلِم من داء أكثر الشعراء، وهو الكذب و البهتان، والهيمان في كل واد، و مصاحبة الشيطان، وما وقاه الشيطان إلا مذاكرته الدائمة للقرآن، الهادي إلى الطيب من القول، و الصالح من الفعل، و الأهدى من السبيل، و لذلك تمتاز دراسته و أبحاثه بالجدية والموضوعية في التناول، والتحري و الصدق في الأحكام، بحيث لا يبخس أحدا حقه، ولا يحمد أحدا بما لم يفعل، وقد تجلب هذه الموضوعية بعض الانتقادات التي يكون مبعثها الهوى والدافع إليها الحسد، فيدحضها بالأدلة، ويرد عليها بالبراهين، محتفظا في ذلك بوقار العالم وعزة المؤمن، فلا تجرفه عاطفة جياشة ولا تستبد به عزة الإثم، ولا تجنح به الأهواء التي تعمي وتصم.
أما المكتوب عنه فهو إمام من أئمة الجزائر الأبرار، و عالم من علماء المسلمين الأخيار، هو الإمام ابراهيم بيوض، الذي انسلخ ربع قرن على وفاته، حيث انتقل من الفانية إلى الباقية في 14 جانفي من سنة 1981، بعد جهاد كبير، و عمل صالح كثير في سبيل الإسلام، واللغة العربية، والجزائر الموحدة ترابا و شعبا، و قد استمر ذلك الجهاد المرير، وتواصل ذلك العمل الكبير من نصف قرن، واجه فيه الإمام بيوض و إخوانه العلماء -بصبر، و حكمة، و عزم- القريب القاعد الجامد و الأخ الجاحد، و الغريب الكائد.
لقد كتب الدكتور محمد الناصر هذا الكتاب القيم وفاء لهذا العالم الجليل الذي آثر خدمة شعبه ووطنه على حظ نفسه، دون أن يمنّ أو يستكثر أو يرائي، وكتبه أداء أمانة لأمانة التاريخ، ليعرف الجيل الحالي والأجيال القادمة من خدم الجزائر إيمانا واحتسابا، ومن استخدمها طمعا ورغبا.
وصف الدكتور محمد ناصر الإمام بيوض بأنه مصلح وزعيم، وقد أوجز القول فأعجز، إن المصطلحات أوعية تحمل المضامين متشبعة بمفاهيم البيئة التي نشأت فيها، فكلمة "راعنا" عندنا طيبة، لاشية فيها، ولكنها عند اليهود كلمة شائنة، تحمل ما في نفوسهم من الحقد على الحق ومكر بأهلها ولهذا ينأى المؤمنون عن استعمالها، "لا تقولوا راعنا وقولوا أنظرنا"، والإصلاح عندنا اقتلاع فساد واجتثاث طالح وتغيير منكر، أما عند الغربيين فمعناها ترقيع أمر أو شيء. وأما وسيلة الإصلاح فتختلف من شخص إلى شخص، إذ كل ميسر لما خلق له، وتتحكم فيها ظروف ومعطيات. وإن هذه الاختلافات في المضامين و الوسائل و الأساليب هي التي أوقعت كثيرا من الناس في لبس شديد فظنوا أن الجرة التي تحوي عسلا مصفى ولبنا سائغا كالجرة التي تحوي أم الخبائث.
إن الإصلاح لا يقوم به إلا صالح، وهو وظيفة ومهمة أكرم المخلوقين وأفضلهم، وهم الأنبياء والمرسلون وورثتهم من العلماء العاملين، وهو ميدان واسع يشمل جميع الأمور، ابتداء من أول وأهم ما يجب وهي النفس إذا صلحت صلح الأمر كله. و ها هو الدليل مجسد أمامنا، نراه بأعيننا، ونلمسه بأيدينا، ونعقله بعقولنا، فالجزائر شاسعة مساحتها، كثيرة ثرواتها، حيوي شعبها، حسن موقعها، ولكنها تئن وتعاني، وتكابد، لأن نفوس كثير من مسؤوليها فاسدة، فضيقوها رغم رحابتها، وأفقروها رغم غناها، وزهدوا فيها رغم حسنها، وهاهي الأموال تملأ خزينة الدولة، و لكن لا أثر لها في تخفيف معاناة الناس، وتحسين أوضاعهم، وكثيرا ما تبذر الأموال في شراء الذمم، وتنفق في مشروعات مغشوشة وفي أمور تافهة، في حين نلاحظ جميعا تدهورا في التعليم، و كسادا في الصناعة و بوارا في التجارة، و سوءا في المستشفيات أو الطرقات، وتعافناً في الإدارات، و فسادا في السياسة، و في الأحزاب و الجمعيات و المؤسسات.
والإصلاح لا يمكن أن يتحقق إلا بالعلم، فلا يمكن لجاهل جهلا بسيطا ولا مركبا -ولو حسنت نيته- أن يصلح، ولذلك لم تنجح جميع "الإصلاحات" التي دعا إليها، وتولى أمرها أناس مبلغهم من العلم ضئيل، ونصيبهم من المعرفة قليل، فمثلهم كمثل الذين "قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون، ولكن لا يشعرون".
إن الاجتماع منعقد على صلاح الإمام بيوض وإصلاحه، ولكن بعض "الدواب"، الذين لا يعقلون، ممن أسميهم محتكري الوطنية المرائين بها يبسطون ألسنتهم بالسوء في وطنية الإمام بيوض وغيره من العلماء العاملين.
إن محتكري الوطنية يتصرفون كالباباوات الذين يدخلون إلى "الإيمان" من رضوا عنه، و يخرجون منه من لم يعجبهم، و لهذا كثر عندنا "المجاهدون"، لأن أدعياء الجهاد و محتكري الوطنية صاروا يمنحون "شهادات الجهاد" في المقاهي و المنتديات، وفي مقابل دراهم معدودات.
إن الوطني والمجاهد في تعريف هؤلاء هو من عمل في دشرتهم، والتقط معهم صورة، أما من لم يعمل معهم مباشرة، ولم يجاهر بعمله، ولم يراء بجهاده فهو غير وطني وغير مجاهد.
إننا لو نطبق هذا الفهم تطبيقا آليا، لنزعنا الإيمان عن مؤمن آل فرعون، ولسيق إلى جهنم لأنه كان يكتم إيمانه، ويطبق في عمله أمر الله "خذوا حذركم".
لم يشأ الدكتور محمد ناصر أن يجادل بنفسه عن وطنية الإمام بيوض وجهاده حتى لا يتهم بالعاطفة والتحيز، ولكنه أورد شهادات لا تدحض، ووثائق لا ترد، فيزداد الذين آمنوا إيمانا ويغص بها الذين يظلمون الناس عدوا بغير علم، ويأكلون لحومهم أحياء وأمواتا، ويحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله.
فأما الوثائق فهي اثنى عشر تقريرا أمنيا، كتبها الأعداء الفرنسيون، الذين كانوا يحصّون على الإمام بيوض أنفاسه، فكانوا لئاما كاتبين، ما يلفظ من قول إلا سجلوه، و كل هذه التقارير تؤكد على وطنية الإمام بيوض قبل أن يسمع كثير من الناس بكلمة الوطنية، فضلا على أن يدركوا معناها.
وعزز الدكتور محمد ناصر هذه التقارير بشهادتين سجلهما قائدان كبيران من قادة جهادنا التحريري هما الرئيس يوسف بن خدة -رحمه الله- والعقيد الأخضر بن طبال، قائد الولاية الثانية، والوزير في الحكومة المؤقتة.
إن موقفا واحدا من مواقف الإمام بيوض يزن جبلا في قيمته وأبعاده، وهذا الموقف هو صموده في وجه الذين مكروا مكرا، وإن كان مكرهم لتزول منه الجزائر، وهو فصل الصحراء عن الجزائر.
لقد قابل الإمام بيوض السوء بالإحسان، والكيد بالصبر، والظلم بالحلم، والجهل بالعلم. إن هذه الكلمة لا تفي الكتاب حقه من العرض، ولذلك فلا غناء عن قراءته، وشكرا جزيلا لمن كتب مبرته، وبذل ما استخلفه الله فيه بالمال في نشر هذا الكتاب، ونطمح أن يزيد.
جريدة الشروق عدد :1588
الخميس 19 جانفي 2006م/ الموافق ل 19 ذي الحجة 1426هـ
